أهمّيّة الاستعداد للتّكنولوجيا الجديدة
كل يوم العلم يتقدم و نرى اكتشافات و اختراعات جديدة. هذه حقيقة حتمية مادام الانسان شغوف و مادامه يحسّ بالحاجة دائما و مادامه يطمع في المال. و أشعر أنّ كلّ خمس سنين تظهر تكنولوجيا جديدة يهتم بها العالم قبل أن تصبح شيئا معتادا أو قبل أن يرفضها تدريجيّا. كيف استقبلنا هذه التّكنولوجيا الجديدة؟ هل عندنا استراتيجيّة تساعدنا في أن نختار ما يناسبنا مما هو جديد؟ أم نحن نسمح للعالم أن يختار لنا في غفلة؟ ثم هل نحن نستعملها على كامل وجهها أم فقط بطريقة سطحيّة؟
حاجة لم نخترها
الذّكاء الاصطناعي هو حديث السّاعة لكونه تكنولوجيا تمسّ كل شيء. في 2022، قدّمت OpenAI للعالم ChatGPT و من وقتها بدأت الشّركات تتسارع على تحسين الذّكاء الاصطناعي المتوفّر للعموم لأنه أصبح سوق مربح مقارنة بالذّكاء الاصطناعي المتوفّر للشّركات فقط. و السّرعة هي التّي تسبّبت في عديد من المشاكل الاجتماعيّة لأنّ الأداة تمّ تقديمها دون أي تأهيل مسبق و دراسة لأثرها.
هو قطار يجري سواء أحببنا أم كرهنا و يجعلنا في موقف يجب علينا أن نلحق به بأي طريقة كانت. نتعلّم استعماله، نستخدمه في العمل، نستخدمه في الحياة الشّخصية، نستخدمه في الدّراسة… بالرّغم أن قبل ظهورها كنّا على ما يرام لكن وضعت فينا هذه الحاجة الجديدة تدريجيّا و مشكلتي هي في الجري وراء حاجة لم نخترها بوعي فهي تعمينا عن المشاكل و الجوانب السّلبية التّي يجب أن نحتاط لها.
على سبيل المثال، الكثير من الشّركات صاروا يضيفون الذّكاء الاصطناعي فقط كي يقولوا أنّهم أضافوه و لكنّهم لم يصلحوا مشكلة جديدة. مازلنا نمشي بسياسة القطيع و نتّبع دون فهم. و هذا ما يجعلني أستنتج أن أغلبنا غير مستعد لاستقبال التّكنولوجيات الجديدة و للانتقال لها بوعي.
السّمك أم الصنّارة؟
و بالنّسبة للاستعمال، فنحن محدودون بما ينساق إليه الأغلبية و بما يخبروننا أنه هكذا كيف تستعمل. نادرا ما تجد حريّة فكريّة تستنبط أفضل الأوجه لاستعمال الأداة دون الحاجة إلى تلقّيها من المجتمع. لذلك تجد الكثير من الفيديوهات و المنشورات تعيد نفس المعلومات و الاستعمالات و تقدّمها بطريقة مسقطة: استعمل هكذا كي تحسن من هذا. وهو إعطاء السّمك عوض أن تتعلم كيف تصطادها بنفسك و تبقى محدودا بما تم تقديمه لك.
لا تحتاج أن تنتظر ظهور شيء جديد لتفهم نفسك كيف تستقبله. تتدرب الآن على ما هو موجود و تختار ما يناسبك لتحقيق مبتغاك الحقيقي.
عندما رفض النّاس الجديد
كي لا أنحاز لمثال واحد، أريد تقديم مثال عكسي وهو الـMetaverse أين تمّ رفضها من المجتمع و سبّبت فشل لـMeta. من جهة الفكرة لم تحل مشكلة كبيرة تستوجب انتشارها مثل الهواتف الجوالة لكن أيضا أرى أن التّوقيت كان باكرا جدّا كي يتقبّل النّاس شراء جهاز واقع افتراضي للعيش في العالم الافتراضي مقارنة بتحميل تطبيق ذكاء اصطناعي. لا يمنع أن هناك شركات حاولت أن تكون سبّاقة مع هذه الفكرة و في الأخير تراجعت.
لكن الآن تكنولوجيا الواقع الافتراضي تتحسن و تصير بنفس تكلفة الهواتف الذّكية تدريجيّا و إذا بدأت الأغلبية في اتباع هذه التّكنولوجيا في العمل و المجتمع فتصنع حاجة جديدة لم نحسب أننا نستحقها، و نصير نتّبع.
ماذا بعد الذّكاء الاصطناعي؟
ثم ما هي التّكنولوجيات الجديدة المحتملة انتشارها بعد الذّكاء الاصطناعي في العشر سنوات القادمة؟ و ما هي المشاكل التّي قد تحضرها؟ طرح هذا السؤال هو تمرين في الفكر الذّي نقوم به دائما كبشر و الدّليل هي الأفلام و التّخيلات حول الذّكاء الاصطناعي و السّيارات التّي تسوق نفسها و المستقبل الذّي بدأت تصير حقيقة. لكن عندما صار الأمر واقعا فنحن نفشل في فهم الظّاهرة على مستوى عالمي.
حسنا أعود للسّؤال، أنا أرى ثلاث احتمالات:
رقائق الخطاب العقلي
بدأت الآن تطبّق على ذوي الحاجيات الخاصة لكن إذا فتحت للعموم بطريقة أنه يمكن ترجمة ذبذبات المخ بسهولة و تكون فعالة فسنبدأ نرى ناس يركبونها ثم هل يركبونها للصّغار؟ كيف يمكن تعليم قسم مختلط؟ كيف ستحاول الشّركات استغلال التّكنولوجيا للرّبح؟ ما هو موقفنا؟
الرّوبوتات المنزلية
إذا انتهت الأبحاث الحالية في كل ما يتعلق بالرّوبوتات من ذكاء و حركة و أداء و طاقة و تحاور و دمجوها في منتوج للعامة فسيكون مثل رؤيتنا لأول نسخة حاسوب خرج للسّوق. بالطّبع الأسعار غالية في البداية و تحتاج سنوات كي تأتي نسخة جيدة لعامّة النّاس لكن سيكون لنا أكثر وقت لتقبّلها في منازلنا و ليس مثل سرعة الذّكاء الاصطناعي.
إذا أعطينا كل فكرنا للذّكاء الاصطناعي، ثم أعطينا كل مهامنا للرّوبوتات، إذن ماذا يبقى لنا؟ هل نقدر نستغل فوائد هذه التّكنولوجيا دون صدّ مشاكلها على إنسانيّتنا؟ أم نكمل انسياقنا و نستعملها كما يخبرنا غيرنا استعمالها في تغيير حياتنا؟
الحوسبة الكمومية Quantum computing
عندما تثمر هذه الحوسبة جيدا و تقترب من كونها متاحة للعموم، ماذا سيحصل للأنظمة الحالية أمام قفز كبير في سرعة معالجة البيانات؟ ماذا نقدر أن نفعل بهذه السّرعة؟ ماذا نريد أن نفعل بهذه السّرعة؟ أخاف أن الجواب تقرّر بالفعل و نحن ننتظر تحسّن هذه الحوسبة تدريجيّا كي يصير النّاس يتحدثون عنها بنفس الطّريقة التّي يفعلونها الآن مع الذّكاء الاصطناعي.
لا تترك غيرك يحدّد مستقبلك
لا تترك غيرك يحدّد لك حدود مستقبلك من قبل حدوثه سواء في طريقة استعمال التّكنولوجيا أو في غيرها. يكفي أن تبقى مع نفسك الآن تجيب الأسئلة التّي طرحتها و ترى ما هو موقفك و متى آخر مرّة استفردت بطريقتك الخاصّة في القيام بالأشياء عوض السّرعة إلى أن تكون أفضل من يستعملها بين غيرك. في أمان اللّه.